عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
35
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
آفة هذا المنظر : هو تعاقب السكر والصحو ، بحكم الانفراد ، وهذا نقص . وليس الرجل إلا من كان ذا سكر في صحو ، وذا صحو في سكر . فلا يتعاقبان عليه ، بل لا يفارقانه أبدا . * * * منظر ( السير ) السيارون في اللّه : هم الأفراد الواصلون إلى اللّه تعالى ، يجدون فيه لذة ذاتية ، تأخذهم ، بحكم الضرورة ، إلى قطع أفلاك كل سماء صفة ذاتية ، أو اسمية ، أو فعلية . فيستوفون منازل كل برج من أبراج مقتضيات تلك الصفة ، بالذوق الحالي ، لا بالاتصاف الذوقي . وبينهما تفاوت ، لا يعلمه إلا واجده . وهذا كلام لا يفهمه إلا الغرباء . وأما السير ، فإنه عبارة عن : تجاوز المقامات ، وقطعها ، بغير مكث في شيء منها بحكم العائق . آفة هذا المنظر : هو أن السير لا يكون إلا لمحدود محصور ، في طريق كان غائبا عنها . وليس ذلك من شأن الكمال الإلهي ، الذي يمنحه كامل عباده . والسيار في درجة النقص عن صاحب الشأن الكمالي ، بهذا الاعتبار . واعلم أن الفرق بين السيار والطيار ، لا يكون إلا في الذهاب إلى اللّه ، لا في الذهاب في اللّه : فالطيار ، في الذهاب إلى اللّه : هو الذي يتجاوز المقامات ، ويقطع منازل المنازلات ، والتعرفات الإلهية ، من غير عائق ، ولا مانع . والسيار ، في الذهاب إلى اللّه تعالى : هو الذي يقطع مقامات الطريق ، التي هي كالزهد ، والتوكل ، وأمثال ذلك . ويقطع منازل المنازلات ، التي هي كالمراقبة ، والتجلي ، والشهود ، وأمثال ذلك . يقطعها مع البطىء في الطريق ، والمكث فيه ، بحكم العائق الماسك له ، بسبب ما فيه من العوائق القلبية ، والقالبية ، والفعلية ، والحالية . فإذا وصل إلى التجلي ، الذي يسمى فيه أهله : ( واصلين ) ، وإلا فلا وصول . لأنه لا يبقى لطيرانه حكم ، بل يصير من جملة السائرين في اللّه تعالى ، فافهم ! . * * *